الأحد، 17 سبتمبر، 2017

مبيجرحش، ولا يأذيش

لا جديد لأقوله ، ذكرى عابرة على فيس بوك أفسدت أسبوعي. لدي عمل كثير لأقوم به، ومهام كثيرة لأنفذها، لكن لا طاقة عندي لهذا ولا ذاك.
استهللت الصباح بالحبوب المسكنة الملونة، تماماً كما بدأت يومي بالأمس، ولا زال الصداع يلازمني بلا توقف، لم أشرب كمية كافية من الماء من زمن بعيد، وهذا يمنح الصداع اللعين فرصة جديدة للحياة كل يوم.
خلال الأشهر الأخيرة، لا أظن أنني استطعت تجاوز أسبوعاً واحداً بلا نوبة صغيرة، كوابيس طويلة حلت محل أحلامي الرائقة، وعكرت صفو نومي المضطرب.
في البلاد البعيدة، يسكن الحب في الصور الفوتوغرافية، وفي البلاد القريبة، يسكن الحب بين منشورات الموقع الأزرق الصاخب. لا أظن أن أحداً باستطاعته أن يوقف اللعبة، صخوراً ثقيلة تجثم على صدري، على قلبي، وعيني، ويدي، ومفرداتي التي أستخدمها عادة في التعبير عما يدور في ذهني، إجمالي الساعات التي أستطيع المقاومة فيها، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، تكالبت علي أموراً لا أدري من أين جاءت، ومتى استقرت فيّ.
كلما هربت من الزحام إلى الوحدة، تزداد محاولاتي للهرب، وحين أتخلى عن الزحام، تفتك بي أفكاري، أرغب في الهروب لمكان بعيد، لكنى لا أستطيع تحريك قدمي لأجنبها شحنة الكهرباء البسيطة الخارجة من شاحن اللاب توب.
لم تكن سوى فتلة خيط ضالة في قميصي، لكني فزعت حين شعرت بها على جسدي، لم تكن سوى بضع شعرات تركت شعري، لكني فور رؤيتها أحسست بالهلع، لم تكن سوى لحظة برد ليلية عابرة، لكنى شعرت بالأسى، لم تكن سوى صورتي في المرآة المقابلة، لكنى شعرت تجاهي بالغربة.
"حين تصير لنا دولة"، سأمنع فيها الحبوب المسكنة الملونة، لا يمكن أن يكون المسكن الذي يذكرنا أننا فقدنا السيطرة على أجسادنا ملوناً، يجب أن يصير أسوداً، كقلوب الذين أثرناهم على أنفسنا وتركوا أيدينا في منتصف الطريق.
تحل اليوم ذكراك السنوية الثالثة، لا زالت سيرتك تدمع القلب ولو كنا في عقر الفرح والزغاريد، يمكن لحضن أحد أقاربك أن يصفعني بنوبة بكاء لنصف ساعة، وحزن مرير لبقية اليوم.
نواجه أحداثا هامة هذه الأيام في بيتنا، تذكرناك فيها مرتين، لو كنت موجودا كنا سنغرقك بالطلبات والخدمات التي كنت بلا شك ستؤديها بحب، أواجه كذلك تغيرات داخلية جذرية، أكاد أقول أنها تعصف بكل شيء، إلا حين تمسك أناملي المتسخة بفعل التراب على سهوة هدية قديمة منك، يعود داخلي إلى حيث كان منذ سبع سنوات، حيث كنا نفترش التراب أمام شاطيء البحر، حين كنا حقا وكان لنا من الأمنيات والأغنيات ألف.
لم يعد بيني وبينك أي قلوب مشتركة، إلا عائلتك التي أتجاهل إلى الآن مقابلة أيا من أفرادها، وصورك البسيطة الباقية، وذكرياتي الكثيرة عنك، وثرثرتي الطويلة في نوبات الحزن لنفسي عن فقدك وافتقادك، "ليس لنا في الحنين يد"، وليس لنا فيما آلت أيامنا إليه يد، صار كل شيء رماديا للغاية، كأن غيمة ما أفرغت جوفها على البشر، "أخبارك إيه وأنت بعيد؟" أظن أنك في حال أفضل، أعرف ذلك، قلبك النبيل لا يستحق إلا جنة أعلى مرتبة من الفردوس، أتمنى أن تكون غيرت عنوان الوطن، إذ لم يعد له مكان على الإطلاق في الحياة الطبيعية، اللهم إلا بعض الذكريات الجافة في عقولنا الساذجة.
صرت في الثالثة والعشرين، كنت ستسبقني بعام أو اثنين سنختلف بخصوصهما أياما طويلة، لأن الأكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة، كنت سأسوق البراهين لدحض العبارة لكني أعرف الآن لو عاد بي الزمن إلى الوراء، كنت سأسمعك للنهاية بلا مقاطعة، يمكن للحب والمشاعر الطيبة أن تبني جسوراً في قلوب أصحابها، لكني أراهن كذلك أن الحزن يخلع القلوب خلعاً، لا أستطيع أن أصنف ما بي على أنه حزن بمعناه الحرفي، لكني أعرف أن في داخلي فجوة، كتلك التي يخلفها أحدهم وراءه وهو يقطع البسكويت.

ثلاث سنوات مرت على اليوم الذي تلقيت فيه مكالمة هاتفية غيرت شكل الحياة التي أعرفها، استسلمت للجاذبية الأرضية وتهاوى معي كل إيمان باق في، صار كل شيء مختلفاً، وبمرور الوقت، تفنى خزائن السكر، لقد أدخلني الله في التجربة، لكنه لم ينجني من الشرير، لم يشفع لي حسن أخلاقي، والتماسي 70 عذرا للآخرين، وحبي لأخي ما أحب لنفسي. تتبعت وصايا الطفولة بحرص شديد، وشأنها شأن كل ما تعلمته سابقاً، تساقطت واحدة تلو الأخرى، في خريف طويل.

"أهرب من قلبي وأروح على فين؟" لن أهرب ربما هذه المرة، أظن أنني في وسط المواجهة الآن، وهذا ما يربكني، أسوق الأمل للأصدقاء، عل الكارما تفعل فعلتها وترده لي، وأتصور أحياناً أني أسوقهم -وأسوق لنفسي- وهماً خرافياً من صنيع السينما والأفلام، من بتوع يوسف شاهين. 
لا أريد لهذه الأغنية أن تستمر، وأعرف في قرارة نفسي أن السعي وسيلتي الوحيدة، رزقنا تيهاً أبدياً لأننا ظننا أن بإمكاننا حقاً أن نغير العالم، مش عارف كيف العالم غيرني والله.
لا يمكن أن نعد هذا تفائلاً، ولا يأساً، قد يكون وقوفاً بين الشطين، وقدم متلعثمة، تتأرجح كل ساعة بين هذا وذاك، وأنا مش عاشق ضلمة، ولا زعلت الضي، أما عن عودة الضي والضحك فهذه نبوءة وجيه عزيز، عليه اللعنة هو وأحمد زكي في ساعة واحدة، العيب في الضي بصحيح؟ 
مممم
جايز!. 


الخميس، 6 يوليو، 2017

أن أقف وأمضي

(1)
دونت في ذهني طوال الأسابيع الماضية عدة مقاطع، أحببتها حينها، حاولت مقاومة التسويف لكتابتها على الهاتف المحمول، ولم أفلح.

(2)
كتبت عشرات التعليقات ومسحتها، ألغيت مدحاً كتبته لصديقة على قرطها الجديد، ورسالة دعم جهزتها لصديق، وعدد لا بأس به من التفاعلات البشرية العادية على مواقع التواصل الاجتماعي، ظننت في وقتها أنها مثمرة، ربما.

(3)
"في الليلة الظلماء، يُفتقد البدر"

(4)
حين حمل الجميع مظاهر الفرح، أصبت بنغز خفيف، أعادني للتاريخ الطويل، والتفكير العميق في نتائجه التي ستكون محسومه سلفاً وكما جرت العادة، ضدي.
أياماً لا أحبها تلوح في الأفق.

(4)
في وسط ما يجري، تضيع مساعينا، لا غير هزيمة ولا حتى الهزيمة نفسها يا ست رضوى، اللهم إلا مخزون ممتد من القهر، أما مفرداتنا فصارت لا تتسع للشرح. لا زلت أذكر صدمتي حين ترجمت جزءً من خبر، جاء فيه على لسان الراوي أن بيته حين احتلته قوات داعش كانت أعمار مقاتليها تترواح بين الثانية والثالثة عشر، لم أنس هذا أبدا مذ عرفته، حين سألت زميلا لي أكثر خبرة وأكد لي صحة المعلومة، تندرت لأنه ليه العالم مش جميل؟، لكني لم أكن أتندر، شعرت بحزن ووخز دفين، حزن طفل صغير كان ينتظر من العالم فرصا أفضل للحياة. صديقان أعرفهما يمكن أن يرددا دومًا أمورًا عن جمال العالم أو المستقبل، أولهما قضى نحبه بعيدًا عن الجميع في عزلة مُتقنة، والثاني يطارده العالم الآن بهراواته السوداء، وأنا أدعو لكلاهما بالحب والرحمة.

(5)
صديقي العزيز،
لا شيء يتحسن، الأمور تجري من سيء إلى أسوأ، أوقاتًا كهذه قد تكون قاسية، لكنها ضرورية بلا شك، لنكتشف ما جهلنا عن العالم، وعن أنفسنا، يومان فقط ويبدأ عامي الجديد، ولا أخفي عليك شعوري بالمفاجأة، صرت حقًا فتاة في الثالثة والعشرين، الحقبة التي يدعون زورًا أنها ربيع العمر.

(6)
لا أمل من الحديث عن حزني الصامت، صرت استخدم مفردة الحزن بدلاً من الاكتئاب، ولا أدري إن كان لهذا أي دلالة حقيقية، ربما تكون صدفة عابرة، أو خدعة من النوع الذي يفضله عقلي، لا أحب أن يتلاعب بي أحد، لكن الخدع اللفظية قد تفلح أحياناً في تخفيف الورطة.

(7)
تمنحك التكنولوجيا خاصية ذكية، يمكنك مشاهدة نفسك عن قرب بضغطة زر واحدة، كما لو كنت على شاشة التلفاز، كما لو كنت نجمك المفضل، يمكنك أن تلاحظ بسهولة المسار الذي يتخذه الغضب من رأسك إلى عينيك وأذنك.

أنا ممكن أحكيلك، عن كل المرات اللي ضاع فيها مني خرز ملون، وازاي لما بتقلل السكر في قهوتك بتبطل تشتاق له، وازاي تعمل وردة بشرايط الستان، ومنين تاكل أحلى تشيز كيك، ازاي الأرض بتحضنك لما ترمي لها نفسك وانت متضايق، واثبتلك إن برد البلكونه اللي نمت فيها معيط مختلف عن دور البرد اللي بيجي من الإهمال العادي، ممكن تكرهني، ومعظم الأوقات أنا كمان مبحبنيش، فيه ستلاف سكة نبقى بيها صحاب، وفي يوم من الأيام كان عندي صاحب واحد بس.

(8)
ممكن أخدك لحتت في قلبي محدش بيقعد فيها؟

(9)
لا أحتاج دعمك، أحتاج إلى  الراحة، لا يقلقني خسارة الأصدقاء، يقلقني خسارة فرصة عمل جديدة، لا يقلقني الظلام الدامس خارج البيت، يقلقني الظلام الدامس داخلي، لا يقلقني جهلي بعلوم الفضاء، يقلقني جهلي بالطرق الكثيرة التي يتوجب على اتخاذها، لا تقلقني مواصلة البكاء، يقلقني الانقطاع عنه، لا أجيد هذه اللعبة، ولا أريد لهذه الأغنية أن تستمر. 

(10)
أهرب من حديثي الداخلي المتواصل عن الأمل.

(11)
أفكر في إنشاء مدونة جديدة

الجمعة، 28 أبريل، 2017

Being a wallflower

في الليلة التي قضتها معدتي في التخلص مما بداخلها، ظننت أنها ستتخلى عن نفسها، ستخرج بقوة وعنفوان شديدين من حلقي الضئيل وسأنهار حينها فورًا، لا، التصور لا يرعب على الإطلاق، كل ما في الأمر أنك جديد على آلامها، ليلة كاملة من العذاب نظير عشر ثوان من التهور.

عشر ثوان من التهور قادرة على كل قلب كل شيء وإقصاء أفلامك المفضلة وموسيقاك العذبة وتفاصيلك شديدة الخصوصية والتفرد، كل هذا يذهب ويجيء محله خليطًا آخر من الأغنيات المُعذبة، تفقد فيها صوتك، رويدًا رويدًا، نغمة تلو الأخرى، إذ أن المجهود الذي يبذله مريئك الضعيف هو مجهود متواضع، كما أنه نحيل حد العجز أمام ساعات طويلة من القيء، ستذهب ومضة وراء ومضة
، لطعة من عصارة المعدة اللاذعة تلو الأخرى، تسمع دبيب النمل على الأرض، وقع أقدام الرجل الهارب من سرير عشيقته في الشارع، كذلك ضحكة المراهقة الساذجة المتسللة من عُقب بابها لأنها تلقت رسالة أخيرًا من محبوب منتظر، كل هذه تفاصيل جميلة، تحبها، أحيانًا، وأنت في كامل وعيك، وصحتك، ومعدتك!
أما في الحقبة إياها من الآلام المميتة، يستحيل كل الجمال قبح مرير. لا أريد لهذه الأغنية أن تستمر.

في حقبة أخرى، التف الشاش الأبيض اللعين حول معصم صديق عزيز، بالتأكيد تكره نفسها، الألة الحادة التي استخدمتها لتحدث الشق، ليس باستطاعتي النظر، سأرى لأيامًا طويلًا هذا الجرح المُقاوم. لم أختلس النظر، ولا أكذب، لا يسعني إنقاذ نفسي من فعل مماثل، إلا أني تخلصت بعد وقت طويل من أفكار مماثلة، وأعرف كيف يقودك الهرب اللحظي إلى عذاب متتالي هكذا. 

نشعر بالذنب، لأن كل من نحبهم جاؤا للبقعة الحزينة من المجرة، الأكثر حزنًا على الإطلاق، ومحاولات الهروب أبدًا مستمرة، لكن جروح المعاصم العديدة التي تلاحقك تشعرك بالخزي، أين كنتِ حين جرى ما جرى؟

في ثقب أسود، برفقة معدتي التي تتداعى منذ ثلاث أعوام، أتوسلها أن تهدأ انقباضاتها قليلًا، حتى أستطيع الصراخ بحرية.

مشهد خارجي: The perks of being a wallflower sound tracks 

الأربعاء، 19 أبريل، 2017

...

للأيام الحزينة وطأة لا يمكن اجتيازها بسهولة، ولا بصعوبة، لا يمكن اجتيازها على الإطلاق، قيل :إذا لم تستطع المقاومة، استمتع، ولا أجيد هذه اللعبة، الاستمتاع ليس واحدا من سماتي، كما أنني أفقد بيسر شغفي تجاه أي شيء.

طوال الظهيرة، كنت أحاول أن أصيغ لصديقة أعرفها كيف ينمو داخلك جنينا حديثا للألم، تصورت أن الأوجاع الجديدة  لن تخلف أثرا أكثر من سابقتها، لكن الحياة تفاجئك دوما.

الذين عبروا إلى اليقين، حاربوا جهلهم بالمعرفة، لكن كيف لي؟ أنا التي أهرب من ضوضاء أفكاري في مقابلات الأصدقاء إلى شاشة الهاتف المحمول، لا أذكر عدد الجلسات الظريفة التي أتلفتها هذه العادة السمجة، ولا أدري كيف أشرحها لمن ملوا أفكاري وسياستي في الهروب منها.

بالأمس حلمت بي، صرت بلا أنامل.

"بالأمس حلمت بك"، الآن أعرف، كيف تختبيء هشاشتك الرقيقة في عجزي الواضح.

ندبة جديدة، ستأخذ دورها في الصف مع الآخرين، ستمر بالرحلة نفسها، الإنكار، والتقزز، ثم التصالح، ستتوقف عما قريب عن النظر لنفسها وسباب ذاتها بأشنع الألفاظ، سيضيء لأيام مقبلة إنذار عدم الاستحقاق، والشعور بالذنب، وعدم الثقة، ثم سيخفت الضوء بمرور الوقت.

لا، أمورا كهذه لا تحدث

أمورا كهذه لا تحدث، يقول هذا صانعو السينما ليربحوا جمهورا جديد للفيلم القادم.


أتارجح بين سذاجتي في البكاء داخل صالة السينما، وبين عجزي عن البكاء خارجها، أفكر في الفتيات اللاتي يحلمن بليلة مماثلة، الثالثة صباحا في الهواء الطلق، وأذكر الأوقات الكثيرة التي أكون فيها مثلهن، عاجزة عن تدبير موعد عبيط مع السعادة، أود أن أقول لهن ها أنا ذا، أحقق حلمنا الجمعي عن ليلة هانئة في السينما بعد منتصف الليل، واحذروا؟ لست سعيدة على الإطلاق.


تبين في نهاية المطاف أن الجمال لا ينقذ العالم، إذ أنه نسى على ما يبدو مفاتيحه وسيبيت خارجا، ربما للأبد.


الأربعاء، 12 أبريل، 2017

لبن العصفور في ورق سلوفان

بين نشيد الصباح السعيد، وخواء الليالي الباردة، آلاف القصص الأخرى، أعجز عن الشرح، لكن كابوسا مستمرا لأيام يمكن أن يفض مضجعك بالفعل، يعلمك كيف يصير النوم عزيزا، يخبرك عن حزنك الرقيق لأن أحدا لا يضمك بينما تفيق من اجتراع المرارة المركزة. 

لأي أغنية تنتمي أمانينا التي زهدناها؟ لا أدري، لا أذكر كذلك أي أمنية زهدتها، نعمة النسيان المبهرة، تنسى، لكن من يرأب الصدع الحزين؟

لعلمك، الإنكار مش هيفيدك، وأفلام يوسف شاهين مش ممكن تكون ملحمة حقيقية، العالم بطل يقف في صف على المدبولي وأمثاله، لبن عصفور في ورق سلوفان إيه بس اللي بتغنوا له ده!

أعرف، وأحاول أن أشرح للطبيب -ولك- كيف تأكل الأفكار الحزينة مخزوني من السكر، كيف يتلف بسكويتي المفضل لأنه حزين؟ كيف أفسر حزن البسكويت؟ هل قابلت بسكويتا حزينا من قبل؟ هشا كالسحب وقابلا للتفتت لو نظرت نحوه فقط، يختبيء لأنه يرغب في البقاء لأطول فترة ممكنة، يجهل فقط كيف يمكن أن يصمد أمام مد الماء وقلة الأكسجين واستبداد المكونات الأخرى في المطبخ. 

يحلم رغم هشاشته الواضحة أن يصير قطعة تشيز كيك حلوة، يخطط لانتحار نبيل في فم امرأة يحبها، تصدر أصواتا سعيدة عند تناول وجبة جيدة. 

الجمعة، 17 مارس، 2017

إيه؟

في الصفحة 59 في سيرة مولع بالهوانم -النسخة التي في يدي-، بقايا ما أظن أنه أحمر شفاه بمبي مسخسخ، أو شخبطة غير منتظمة من أقلام الشمع، سأميل لظني الأول، لأن طبقة الشمع يمكن الفوز بلغوصتها ببساطة لكن هذه في الكتاب لم تترك للغوصه مجال، ولأن بالطبع قصة الروج شيقة أكثر.

هذا لا يعني أنني أقرأ، حسنا أقرا قليلا، هذه الأيام، ضمن خطتي الضخمة لاستغلال وقتي الطويل، والفارغ. خطتي التي أفشل في تطبيقها لليوم العشرين على التوالي، انتصار غير مسبوق في المرقعة والتسويف، لا يهم، في المرات/الخطط القادمة سأركز أكثر، ربما.

في مثل هذا اليوم، فيس بوك اللعين، يذكرني، كان عندي صديق، وحلم، وأغنية، وقدرة على الجري، وأصناف وألوان من الإجابات، على كل الأسئلة، كنت عكس نفسي الآن، بشكل كبير، بشكل يفاجئني كلما لاحظته أكثر، كلما دققت في تفاصيل الاختلاف، في تفاصيلي، أكثر، "مفيش حاجة بتحمسك خالص؟"، وددت9 كثيرا أن أجيب على هذا السؤال طيب النية، بالصراخ، لا، أمورا كثيرا تحمسني: ابتسامة محبوبي في الليالي الحزينة، طلعة الصباح، عمر، الطعام، المشويات خصوصا، الأدوية سريعة المفعول، الفساتين القصيرة، الشمس، صباحاتي السعيدة، الخيوط الملونة، العديد من الأغنيات، ونسختي القديمة من نفسي. القصة كلها أنني وبكل أسف، لم يعد لدي القدرة على إظهار هذا الحماس، وبصراحة، لم يعد هذا يخيفني.

بعد "مولع بسيرة الهوانم"، "كبرت ونسيت أن أنسى"، بلو تويست مفاجيء بين فاتنات طلال فيصل ومذكرات العجوز المتيبسة في سن الخامسة والعشرين. "كبرت ونسيت أن أنسى"، وتحولت مصائبي الطفوليه إلى جروح شابة، وأزمة ثقة بالنفس، وصوت مبحوح لم يعد يجيد الغناء، أو يتذكر الأدعية التي حفظها يوما عن ظهر قلب.

لا بأس، هذه أمور يمكن حلها بالوقت، بمرور الوقت، بيديك النبيلة ترتب على كتفي، وعينيك ال...
أخ، هل يجب أن أظهر حماسي الآن؟ لا أجيد هذه اللعبة، ولا أي لعبة غيرها، أستطيع الدوران قليلا ليطوف فستاني الجديد، أو التمايل يمينا ويسارا بحيث تصدر كتلتي/جسدي اللاحماسية إيقاعات رقص، أستطيع أن أرقص، وأظن، أنها لحظاتي الوحيدة التي تتسرب فيها الحماسة، على نحو جيد، مع العرق، لكن الحماس ينضب في كل الأحيان الأخرى.

لا بأس، لا تشغلي بالك، أحبك هكذا، دافئة ومنطفئة، اكتئابك اللعين لا ينقص من حبك شيء، أحبه كذلك، حجه منطقية للاطمئنان المفاجيء عليك، لاقتحام حجرة نومك فجأة، بعد منتصف الليل، والنظر إليك طويلا، لا، ليس تجسسا، ربما يراودك كابوس يفض مضجعك، ألا يستحسن أن تجديني حينها؟ ... ها هي، فزت بابتسامة، غير حماسية، منطفئة، دافئة، تحمل في داخلها كل شيء.

نوبة هلع أو اكتئاب عجيبة ضربت فجأة صفوف أصدقاء كثيرين، في الوقت الذي لا زلت أتقوقع فيه داخل ما أدعي أنه انتصاري الصغير. أريد أن أنام، وأخاف أنواعا جديدة من الكوابيس، هلاوس لم يألفها عقلي بعد، سأحتاج أن أدرب هوسي فيما بعد على التعامل معها، لعله ينجح في إخضاعها، لعلي أستريح، أما الآن، سأحاول النوم.

الأحد، 19 فبراير، 2017

نبوءة



القصص الجديرة بالحكي، تذهب سدى، لا أحد يسمع.

 ستسمع الهمهمات الملولة عن بعد، لا أحد يحب قصصك ذات الوتيرة الوحيدة، نوبات غضبك اللعينة، نوبات اكتئابك المتكررة، كذلك صوتك العال تنفيسا عن الغضب. يصيبهم بتوتر، ربما -كجميع حواديتك- ستذهب سدى.

في الصباح، بين الحلم واليقظة، هتفت باسمي أغنية قديمة، الموتى لا يغادروا قبورهم -لو كان لهم قبور-، عليك الاعتراف بالحقيقة الكاملة، لن يعود الفارس النبيل من نومته الأخيرة.

كان بودي أن أحكي لك سبع حكايات في سبع ليال أعيد فيها تشكيل براءتك الجميلة وألمح في مساء عينيك ضوءا خافتا، لكني فقدت مهارة الحكي، أعجز عن سرد تفاصيل جديدة لأني أنسى أنني قمت باستخدامها بالفعل في القصة السابقة، أظن كذلك أن مسألة الحواديت هذه عادة قديمة لن نجني منها إلا وجعا إضافيا عندما ينتهي كل شيء، حاولت، يشهد الله، أن أعيرك بعض براعتي لكن حينها ربما أحبك وأحب حكاياك وأنساني ولن تنقذني عندها ولا ألف ليلة وليلة من سباتي العميق في غرامي بك.

كان بودي أن أحكي لك، لكن المجهول بيننا، والحروب، والبنادق، والتوجهات السياسية، وشعري، وفستاني القصير، وسبابي، وخلافي مع الأديان - ودينك -، وحصتي من الزجاجات الخضراء، وأمنيات العام الجديد.  سأعيد حياكة ردائي وأغطي ساقي وأعتمر قبعة قبيحة أخفي بها شعري، لنلتقي في المساء، بعد مغيب الشمس، بعيدا عن غرفتي التي يتردد فيها لحنك، كان بودي أن أحكيك لكن القصة طويلة، طويلة جدا، والطريق قصير.